صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
97
شرح أصول الكافي
إذ من ضرورة كونه إله العالم ان يكون موجودا في نفسه ، فان ما لم يكن موجودا في نفسه استحال ان يصدر عنه اثر موجود ، فهذا الحكم اللاحق هو كمال معرفته وتصوره . واما المرتبة الثانية وهي قوله : وكمال التصديق به توحيد . فبيانها : ان من صدق بوجوده الواجب ثم جهل ، مع ذلك كونه واحدا كان تصديقه به تصديقا ناقصا ، تمامه توحيده ، إذ كانت الوحدة المطلقة لازمة لوجوده الواجب ، فذاته بذاته كما يقتضي وجوده يقتضي توحيده كما قال : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ « 1 » ، تنبيها « 2 » على أن ذاته شاهدة على وحدانيته ، فان طبيعة واجب الوجود لو فرضت انها مشتركة بين اثنين فلا بد لكل واحد منهما من مميز وراء ما به الاشتراك ، فيلزم التركيب في ذاتيهما ، وكل مركب ممكن الوجود فيلزم الجهل بكونه واجب الوجود وان تصور معناه وحكم بوجوده . واما الثالثة وهي قوله عليه السلام : وكمال توحيده الاخلاص له . ففيها إشارة إلى أن التوحيد المطلق للعارف انما يتم بالاخلاص له ، وهو الزهد الحقيقي الّذي هو تنحية كل ما سوى الحق الأول عن سنن « 3 » الايثار وبيان ذلك : انه ثبت في علم السلوك ان العارف ما دام يلتفت مع ملاحظة جلال الله وعظمته إلى شيء سواه فهو بعد واقف دون مقام الوصول جاعل مع الله غيرا ، حتى أن أهل الاخلاص ليعدون ذلك شركا خفيا كما قال بعضهم : من كان في قلبه مثقال خردلة * سوى جلالك فاعلم أنه مرض وانهم ليعتبرون في تحقق الاخلاص ان يغيب العارف عن نفسه حال ملاحظته لجلال الله ، وان لحظها فمن حيث هي لاحظة لا من حيث هي مزيّنة بزينة الحق ، فاذن التوحيد المطلق ان لا يعتبر معه غيره مطلقا ، وذلك هو المراد بقوله : وكمال توحيده الاخلاص له . قال صاحب كتاب الإشارات في مقامات العارفين : العارف يريد الحق الأول لا شيء غيره ولا يؤثر شيئا على عرفانه وتعبده له فقط لأنه « 4 » مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة « 5 »
--> ( 1 ) . آل عمران / 18 ( 2 ) . تبينها - م - ط ( 3 ) . متن « الإشارات » ( 4 ) . ولأنه « الإشارات » ( 5 ) . شريفة إليه « الإشارات »